ليست هناك ضرورة ملحة بلباس عضوة أو أكثر حجاباً شكلياً لا يسمن ولا يغني من جوع

بقلم الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

اليوم نرى بعض الرموز في الحركة الإسلامية تخلط بين مختلفين بغير قصد، فمن خلال التتبع لبعض الكتابات نجد أن بعض الإسلاميين قد طوَّفوا في مدارس الفكر الغربي، وتأثروا برشاشها وثقافتها، وانطلقوا ينشرون أطروحاتهم في فهم الإسلام باسم التجديد والإبداع حيناً، وباسم المساحة والتيسير أحياناً أخرى.

نعم! ربما كان كثير من هؤلاء الكتاب لا يريد إلا نصرة الإسلام والذبَّ عنه، وأنه قد آلمهم هجمة التيارات العلمانية الشرسة على الأمة، فأرادوا صياغة فكر جديد، وفقه حديث يسد الثغرات – بزعمهم- على الليبراليين؛ ولهذا كان المعيار الذي استندوا إليه (تحسين صورة الإسلام)! فانهزموا أمام ذلك الواقع المنحرف، وتأثروا بالضغوط الإعلامية والفكرية، وراحوا يطوعون النصوص لتتجارى مع ذلك الواقع، وبدؤوا ينقبون في أقوال الفقهاء والمتأخرين عما يسوِّغ آراءهم..!

فلم يكن المنطلق في تحسين صورة الإسلام هو البحث في النصوص الشرعية المحكمة وتعظيمها والوقوف عند حدودها، بل كان المنطلق هو البحث عن مخارج فقهية – وإن كانت متكلفة – لتتوافق مع الرأي الفكري السائد.

وهنا تتضح المعضلة؛ الانهزامية،والاستسلام لضغط التيار السائد، وجعله حَكَماً على النصِّ..!

وخط آخر من الكتاب حصر نفسه في قوقعة الثبات المطلق، فلا يُميز بين ثابت ومتغير فالكل ثابت، ولا يُفرق بين حال وحال فالحكم لا يتغير، ثم أطلقوا عبارات ومصطلحات جديدة على كل من يحاول التغيير أو مراعاة الظرف أو الحال دون استثناء ومن هذه العبارات: (الترخص في الدين) (تسويغ المخالفات الشرعية الناجمة عن مسايرة الركب) (اتباع الناس إن أحسنوا أو أساؤوا) (علماء الضلال الذين زينوا للناس الشرك والخرافة، والبدع الكفرية…).

تطبيق عملي على التعامل مع الواقع والثبات على المبادئ:

إن ما عاشته الكويت خلال الشهر الماضي حول موضوع المذكرة التفسيرية لمفهوم التزام عضوات مجلس الأمة بالأمور الشرعية، وما أثير في الموضوع لبس الحجاب للعضوتين، وما تبع ذلك من استفتاء لوزارة الأوقاف؛ إلى هنا يعتبر الأمر مقبولاً ويمكن النظر والتعامل معه، فهذه الممارسة من مستلزمات دخول الإسلاميين في معترك الديموقراطية، وغيرها من مجموعة ممارسات خارجة عن القواعد الأساسية التي فهمها الدعاة إلى الله جل وعلا في بدايات نضجهم وتكوينهم، لكن الذي ليس بمقبول ويتصادم مع ثوابت الفهم عندنا أن نذهب (بإرادتنا) للتحاكم إلى المحكمة الدستورية، والتي قد استقر عند المتعاملين بالدساتير والتشريعات البشرية أنها الحاكمة على (كل التشريعات). وكل التشريعات تدخل فيها التشريعات الإسلامية والوضعية، ودليل هذا الأمر أن الحكم الشرعي كان واضحاً بإلزام العضوات بحكم في لبس الحجاب الشرعي المبني على النصوص القرآنية والحديثية التي أفتت الوزارة على ضوئها، لكن أن تكون المحكمة الدستورية هي الحاكمة على نصوص الشرع؟؟ فأمر غير مقبول، والالتجاء إليها بعد صدور الفتوى الشرعية تقديم لحكمها على الحكم المستقى من النصوص الثابتة في الموضوع. كما يجب أن لا ننسى أن التزام المرأة باللباس الشرعي حين الدخول إلى البرلمان من الضوابط التي وضعت عند إقرار حق المرأة في الترشح.

فلو أن الإسلاميين في المجلس استفادوا من هذه الحادثة في بيان أصولهم ودعوتهم وثوابتها لكان الأمر موافقاً للشريعة وأصول الاعتقاد ومستلزمات التحاكم؛ أما أن تكون القضية قضية قطعة قماش تضعها امرأة لا تؤمن أساساً بالمشروع الإسلامي، وتؤمن بما يسمى بالحكم المدني المستقى من النظام الغربي (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) فهذا مما لا يمكن أن نسميه إلا انشغالاً بغير ما يلزم، على أن الأمر لا يستحق أن يذهب الإسلاميون إلى (الياسق) ليحكم بينهم في أمرٍ تشريعيٍّ ثابت.

والأمر بالتأكيد ليس داخل في حكم الضرورة، فليست هناك ضرورة ملحة بلباس عضوة أو أكثر حجاباً شكلياً لا يسمن ولا يغني من جوع!!

خطوات على الطريق

من المناسب هنا أن نذكر ما ينبغي على القائمين على العمل الإسلامي مراعاته(7):

إن مجال التطبيق يحتاج إلى حذر شديد لأن الجمود فيه – مثل التسيب سواء بسواء – عمل على عكس ما يريده الشرع، لذلك يعيب ابن القيم على أناس تشددوا هنا «فسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها حق مطابق للواقع، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله، إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر»(8).

-2 المحافظة على الثوابت الدينية التي هي بالأساس القيم المنصوص عليها في القرآن والسنة. ومن تلك القيم: الولاء والبراء، الحاكمية، عزة المسلم الصدق والعدل والشورى… وغيرها. وتبقى وسائل تنزيل تلك القيم في الواقع مفتوحة في الغالب الأعم لإبداع الأمة واجتهاداتها التي تختلف من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة.

-3 العمل بطريقة منظمة ومتدرجة ورفيقة تراعي الواقع، وتحاول الارتفاع به إلى النموذج المأمول في تدرج، وعلى قدر الوسع والاستطاعة، ودون هزة عنيفة، ويروي لنا التاريخ أن الخليفة عمر بن عبد العزيز طلب منه ابنه عبد الملك يومًا أن يقضي على المظالم والمفاسد المتراكمة دفعةً واحدةً، دون تأخر مهما تكن النتائج، قائلاً له: «ما لك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق». ولكن عمر بن عبد العزيز أوضح ذلك قائلاً: «لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة».

-4 إشاعة المودة وبناء العلاقات الإيجابية، والابتعاد عن التعصب والأحقاد، وتوفير الثقة في الآخرين وإحسان التعامل معهم. وهذه كلها سمات لها دور مهم في بناء أحوال المجتمع على الطمأنينة والشعور بالاستقرار، والتفرغ بالتالي للإنجاز والعطاء.

-5 القدرة على التعامل بنجاح مع الأزمات التي تواجه المجتمع والقدرة على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكلٍ يستطيع من خلاله أن يتمكن من القيام بما يلزم من تغييراتٍ للاستجابة للحد الأدنى من متطلبات الشرع.

-6 يحسُن بالتيارات الإسلامية أن تنأى بدعاتها عن خطاب المزايدة السياسية، الذي ينطلق من خلفية الإقصاء والاستئصال، مما يؤدي عادة إلى تسميم الأجواء ونشر التدابر والتنافر والصراع عوض التآلف والتكامل والتنافس الإيجابي. وبزرع الثقة وإيجاد أجواء صحية للتنافس تسهم في تهيئة مناخ التوافق بين الفاعلين مما يعزز الاستقرار والعمل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s